التدريب العسكري المغربي لفرق الكوماندوز الجيبوتية يكشف عن تحالف استراتيجي يتجاوز البعد العسكري. في 27 يونيو الماضي، وخلال عرض الذكرى التاسعة والأربعين لاستقلال جيبوتي، سار 160 جندياً من قوات الكوماندوز الجيبوتية المدربة في المغرب بدقة بالغة في العاصمة. ما قد يبدو كبادرة بروتوكولية هو في الحقيقة غيض من فيض تعاون يتعزز بصمت بين الرباط وأحد الفاعلين الرئيسيين في القرن الإفريقي.

أكثر من مجرد عرض عسكري: رسالة ثقة متبادلة وجود هذه القوات ليس من قبيل الصدفة. جيبوتي، التي لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة، تستضيف قواعد عسكرية للولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان. موقعها عند مدخل البحر الأحمر، مقابل مضيق باب المندب، يجعلها عقدة لوجستية وعسكرية من الدرجة الأولى. وأن تتدرب قواتها النخبوية في المغرب - وأن تظهر ذلك علناً - يرسل إشارة لا لبس فيها حول عمق التعاون الثنائي.

منذ عام 2017، درب المغرب أكثر من 500 جندي جيبوتي في مراكزه التدريبية، خاصة في مدرسة القوات المحمولة جواً بتيفلت وفي مركز تدريب الكوماندوز. هذا التدفق التدريبي ليس مجرد تبادل تقني، بل هو أساس علاقة ثقة تمتد لتشمل المجالين الاقتصادي والدبلوماسي.

القيمة الجيوسياسية للاستقرار بالنسبة للمستثمرين والشركات التي تتابع تطور المغرب كمنصة نحو إفريقيا، تحمل هذه الوقائع قراءات تتجاوز الجانب الدفاعي. جيبوتي هي بوابة التجارة مع إثيوبيا - ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان - ونقطة اتصال حيوية للطرق البحرية التي تربط آسيا والخليج وأوروبا. في ظل التوترات في البحر الأحمر والتنافس المتزايد على سلاسل الإمداد، فإن امتلاك حليف مستقر في المنطقة يمثل أصلاً استراتيجياً.

يعزز المغرب بذلك صورته كمصدر للأمن والتدريب. لا يتعلق الأمر فقط ببيع المعدات أو تقديم الخدمات، بل ببناء رأسمال علاقاتي. الضباط الجيبوتيون المدربون في المغرب يعودون بمهارات تقنية وشبكة علاقات تسهل الاتفاقيات التجارية واللوجستية والاستثمارية المستقبلية.

فرص للقطاع الخاص بالنسبة لمجموعة “سيمخا” والشركات العاملة في المحور الإسباني المغربي، يفتح هذا التحالف نوافذ للأعمال. التعاون العسكري غالباً ما يرافقه احتياجات تكميلية: بنى تحتية مينائية، أنظمة لوجستية، معدات اتصالات، خدمات استشارية في الأمن والتدريب المدني. جيبوتي منخرطة في خطة تحديث لمينائها ومنطقتها الحرة باستثمارات إماراتية وصينية. المغرب، بخبرته في إدارة ميناء طنجة المتوسط وفي تدريب الكوادر البشرية، يمكنه أن يكون شريكاً تقنياً واستراتيجياً.

علاوة على ذلك، الاستقرار الناتج عن هذا التعاون يقلل المخاطر على الاستثمار الخاص. عندما يتشارك بلدان في مذاهب تدريبية وبروتوكولات، ينشأ بيئة يمكن التنبؤ بها تشجع الأعمال. الشركات المغربية - والأوروبية التي تعمل من المغرب - يمكن أن تجد في جيبوتي شريكاً موثوقاً لمشاريع اللوجستيات والأمن المينائي والإدارة الجمركية والتدريب المهني.

نظرة خاصة: القوة الناعمة المغربية في العمل ما نشهده هو تعزيز نموذج دبلوماسي أتقنه المغرب في العقد الأخير: الجمع بين التدريب العسكري والتعاون الاقتصادي والحضور الثقافي. ليس الهدف هو فرض النفوذ، بل بناء علاقات متينة قائمة على نقل المعرفة والاحترام المتبادل. جيبوتي، الصغيرة ولكن الاستراتيجية، مثال ممتاز على هذه الاستراتيجية.

بينما تتنافس قوى أخرى على القواعد العسكرية والعقود المليونية، يراهن المغرب على تدريب الرجال والنساء الذين سيتخذون القرارات في تلك البلدان مستقبلاً. إنه استثمار طويل الأجل لا تظهر ثماره دائماً في الميزانيات الفصلية، لكنه يحقق عائداً جيوسياسياً يصعب مضاهاته.

تأمل مستقبلي التحالف بين المغرب وجيبوتي ليس حلقة معزولة. إنه جزء من شبكة اتفاقيات تعاون عسكري ومدني نسجتها الرباط مع دول مثل السنغال وساحل العاج والغابون ورواندا وزامبيا. في عالم أصبحت فيه الأمن والاستقرار نادرين بشكل متزايد، فإن القدرة على تقديم التدريب والثقة وإمكانية التوقع تمثل أصلاً من الدرجة الأولى.

بالنسبة للمستثمرين المتجهين نحو إفريقيا، الدرس واضح: حيثما يدرب المغرب، فإنه يمهد الطريق أيضاً للأعمال. وحيث يوجد الاستقرار، توجد الفرص. مجموعة “سيمخا”، بحضورها في المغرب ومعرفتها بنسيج الأعمال الإسباني المغربي، في موقع متميز للعمل كجسر بين ضفتي القارة. الجيوسياسية، إذا ما فهمت جيداً، هي أيضاً خريطة طريق للأعمال.

Volver al Blog